![]() |
| الحطاب |
![]() |
| الفرسان الثلاثة |
الحطاب والفرسان الثلاثة
أقبل الفرسان الثلاثة حاملين سيوفهم على
القرية التي يسكن فيها الحطاب ابو زينة الذي يملك محلا صغيرا يبيع فيه الحطب يجمعه
من الغابة ويساعده في ذلك أخوه أحمد الذي يسكن بالقرب منه.
كانت قرية صغيرة، جميلة، وهادئة، وهناك نهر
صغير يمر من طرف القرية يشرب منه اهلها الماء ويسقون ارضهم ومواشيهم. كان بعضهم
يصطاد السمك ليبيعه طازجا في السوق ليكسب قوت يومه، وآخرين اعتادوا ان يجلبوا بعض
الامتعة من القرى المجاورة ليبيعوها لاهل القرية وهم التجار.
أعتاد ابو زينة ان يذهب الى الغابة يوما
ويترك أخيه أحمد يبيع في المحل، ويتابع في اليوم الثاني ليصنع من الحطب الذي جاء
به كراسي ومناضد وبعض السلات التي تفيد في حمل الامتعة. وعندما يأتي المساء يغلق
محله ويتجه الى بيته البسيط الواقع في أطراف القرية لانه لا يحب ان يختلط بالناس كثيرا،
لذا قرر ان يسكن هو وعائلته بعيدا عن وسط القرية.
ام زينة اعتادت ان تهيأ الطعام قبل قدوم
زوجها الى البيت، بعضا من الخبز والزيت واللحم، او ربما سلقت بعض البيض والبطاطا
مع السلطة التي كانت تعملها زينة ابنتها التي كانت في التاسعة عشر من العمر.
كان ابو زينة الحطاب يتمتع باخلاق عالية من
اخلاص في العمل ونصح في البيع واتقان في الصناعة وصدق في التعامل، جعلت كل من يلتقي
به من اهل القرية ان يحبه وكانوا يحرصون على ان يتبضعوا منه كل اسبوع على الاقل.
كان يلاطف الاطفال الذي يأتون الى المحل
احيانا وكانوا يحبون ابتسامته التي لا تفارقه والتي تخرج من بين لحيته الكثيفة
التي اعتلاها بعض الشيب.
في الجانب الاخر من النهر وعلى مسافة بضع
أميال كانت هناك المدينة بضجيجها وصخب اسواقها، سوق كبير جدا واسواق صغيرة على جانبه يتمتع كل من زارها بجمال هندسة
البناء المحكم والترتيب الانيق الذي ابدعته ايادي المهندسين والمصممين لهذا السوق.
أعتاد ملك المدينة ان يزور هذا السوق في
موكب طويل في كل اسبوع مرة يسبقه الحراس ويحيطون به. كان لا يتكلم مع احد من اهل
السوق وقد اعتاد اهل السوق ان يروه من بعيد وكان بعضهم يلوح بيديه الى الملك اجلالا
له واعلاما له بالترحيب.
وفي بعض المرات التي يزور فيها السوق يأتي
بصحبته ابنه سالم وكان ذا عز وترف، وكيف لا وهو ابن الملك وهو من يخلف الملك بعد
رحيله ويكون حاكما للمدينة باسرها. كان ابن الثامنة عشرة، طويلا، وسيما يحمل بيديه
صرة من الدنانير ويقف فوق العربة وكلما رأى فقيرا معدما في السوق ياخذ دينارا من
الدنانير ويقذفه نحوه، وما ان ينتبه ذلك الفقير حتى يشير بكلتا يديه اعلاما له
بالشكر والامتنان.
كان سالم يحب مساعدة الناس كثيرا وكان يحدث
امه باحساسه الجميل وهو يشاهد الفقراء يلوحون بايديهم اليه وكان يحس بالسعادة والغبطة
جراء هذا العمل.
ان اجمل وامتع عمل اقوم به يا امي هو عندما
اساعد الفقراء، حينها اشعر بالفرح والسعادة تغمرني ويكاد قلبي يطير فرحا.
أتعرف لماذا يا سالم؟
أخبريني يا أمي فانتي الحكيمة التي دائما ما
ترشديني الى الخير.
من صاحب العطاء الاسمى يا سالم؟
أجاب سالم: الله رب العالمين.
لذلك فانت تتصف بصفة من صفات الله وهو
العطاء الذي يعطي بدون حساب، لذلك فانك اذا اعطيت فانك تقترب من الله وهذا ما يجعل
نفسك سعيدة.
أشكركي يا أمي.
كان سالم يتمتع ببعض الحراس حوله، وهم الذين
اسند اليهم الملك حراسة ابنه الوحيد وتلبية مطالبه واحتياجاته، ولكنه كان يحس
بتقييد حريته حيث لا يستطيع الذهاب الى اي مكان بمفرده.
وكان لدى الملك يوما في الشهر يسمح للناس ان
يدخلوا عليه ويسألوه بعض احتياجاتهم وكان دائم العطاء لهم. اعتاد سالم ان يجلس
بجانب ابيه في ذاك اليوم ويرى ويسمع ما يحصل من امر الناس.
ذات مرة اقبل رجل تبدوا عليه آثار الفقر
ودخل على الملك وقال: سلمت من كل سوء ايها الملك، رجل أتعبته الدنيا ,وآذاه الفقر
يطلب منك العون. وما ان انهى كلامه حتى همس الوزير في اذن الملك شيئا، وبعد برهة
أشار الملك الى بعض حراسه بان يبعدوا هذا الفقير من القصر وان لا يعطوه شيئا.
استغرب سالم من هذا الامر، حيث لم يعتاد على
ان يرى من ابيه هذا التصرف الغريب. واراد ان يسأل ابيه عن الامر ولكنه تردد واكتفى
بنظرة على ابيه تعلوه الحسرة والتأسف.
ياترى بماذا همس ذلك الوزير الغبي مما جعل
ابي يأمر بطرد ذلك الشخص، دعني أسال الوزير عندما انفرد به.
وكان يتحين الفرصة تلو الفرصة لينفرد
بالوزير حتى يسأله عن ذلك الشخص وعما جرى في تلك الحادثة التي أرقت فكر سالم.
وجاءت الفرصة حيث قرر الملك ان يقضي بعض الايام في التجوال بين القرى المحيطة
بالمدينة وبقي الوزير لتمشية الامور. فانتهز سالم الفرصة وهرع الى ذلك الوزير وقال
له: ألا أخبرتني بماذا همست في أذن أبي حتى جعلته يطرد ذالك المسكين الفقير من
القصر ويخرجوه خالي اليدين؟
عفوا سيدي الصغير عن أي امر تتحدث! آه لقد
تذكرت.
قبل ان يدخل ذلك الذي تضنه فقيرا الى القصر،
رآه بعض الحراس يسرح بالماشية على مقربة من القصر وكان يلبس ثيابا جميلة وبعد قليل
أتى الى قصرنا ليسال الملك، وقد اخبروني الحراس بما رأوه من امر ذالك المحتال،
عندها قررت اخبار الملك بما علمت.
لم اضف شيئا على ما سمعت من الوزير وذهبت
الى غرفتي بمزاج متعكر وفكر مشوش.
رآني احد حراسي مهموما فبادر بسؤاله: مالي
أراك مهموما سيدي؟ هل من شيء اقضيه لك او افعله لاجلك؟
التفت اليه واخبرته بما جرى. عندها ابتسم
ابتسامة كاد ان يخفيها من على وجهه.
أو تعرف عن حال هذا الرجل شيئا؟ سالته
لكن قبل ان اخبرك يا سيدي ارجو ان تكتم عني.
تكلم ايها الحارس
هذا الرجل هو فقير الحال معدم لا يملك من
قوت الدنيا شيئا، توفيت زوجته قبل فترة وكانت خياطة تخيط الثياب، اما هو فليس لديه
عمل ولديه ابنة جميلة جدا وقد خطبها الوزير لابنه ولكن الرجل لم يوافق وقال ان ابته
لا تريد الزواج.
لقد فهمت الآن تصرف هذا الوزير، لقد انتقم
من هذا الفقير.
وهل تعرف اين يسكن هذا الشخص؟
أستطيع معرفة سكنه يا سيدي.
حسنا، أخبرني عندما تعرف ذلك.
ومرت الايام ولم تزل صورة هذا الفقير في ذهن
سالم، يا ترى كيف حاله وهل لديه طعام يكفيه هو واهله؟ تساؤلات كثيرة جعلته يسرح في
بعض الاحيان حيث عرف كل من حوله بهذا السرحان الذي ينتابه.
فهاهي امه تسأله، سالم ما بك هذه الايام؟ هل
دخل الحب الى قلبك؟
امي لم اعهد منك هذه الكلمات من قبل.
وانا ايضا لم اعهد منك هذه السرحات من قبل
يا سالم.
ماذا تخفي عني؟ هيا أخبرني بكل شيء.
لم يستطع سالم ان يخفي عن امه شيء فهي سنده
في هذه الحياة، فاقبل اليها وقص عليها الحكاية برمتها، واقبل اليها متسائلا:
الخطأ خطأ ابي فقد تسرع بالحكم عليه ولم
يتأكد من الحكاية.
دع الامر لي يا بني ساخبرك بما تفعل.
شكرا لكي يا امي.
ذهبت الام هي وابنها وبرفقة حارس واحد في
عربة صغيرة الى الغابة ووقفوا امام شجرة كبيرة اختارته الملكة من بين الاشجار بحيث
ان الاشجار قبلها قد قطعت جميعا. وقالت للحارس: اعمل لي شقا صغيرا هنا في داخل هذه
الشجرة. وما ان انتهى الحارس من عمله رمت خاتمها الذهبي ووضعته في داخل الشق ووضعت
بعض الخشب عليه حتى يختفي عن الانظار ورجعوا الى القصر بسرعة.
خرج الحطاب ابو زينة كعادته من بيته مبكرا
الى الغابة ليحتطب ومعه فأسه وبعض الطعام والشراب يحمله خلف ظهره. وما ان وصل الى
الشجرة، تسلق عليها واخذ سقطع بعض اغصانها الى ان وصل الى ساقها ووجد خاتم الذهب.
اصابه الذهول لما وجد.
جلس يفكر وقرر تناول بعض الطعام فأسترخى
قليلا واخذته سنة من النوم تحت الشجرة وفي يديه الخاتم.
لم يفق ابو زينة الا قبيل المغرب بقليل. آه
لقد نمت كثيرا لقد تأخرت ولم اجمع شيئا من الحطب. لقد افسد هذا الخاتم يومي كله. وهرع
الى البيت مع القليل من الحطب مشغول البال بامر الخاتم.
كتبت الملكة ام سالم رسالة وامرت احد الحراس
بان ياخذها ويرميها الى بيت ذلك الرجل الفقير الذي طرده الملك وبالاتفاق مع سالم،
حيث كتبت له بان يذهب الى الغابة عند اول شجرة كبيرة من جهة النهر فان فيها خاتم
الملكة داخل الشجرة فلياخذه ولينتظر امر الملك.
كان هذا الرجل الفقير يملك بيتا من خشب ومعه
ابنته ياسمين.
صاحت ياسمين على ابيها، أبي ... أبي
ماذا هناك يا ابنتي؟
رسالة رميت من تحت بابنا.
أقرئيها علينا يا ابنتي
وبدءت ياسمين بقراءة الرسالة واصابهما
الذهول وهما يستمعان الى مضمونها.
يا ترى من صاحب هذه الرسالة؟ ولماذا يفعل
هذا؟ وكيف عرف بحالنا؟
ساخرج غدا باذن الله الى الغابة لاتاكد.
خرج ابو ياسمين صباحا الى الغابة وذهب الى
المكان الذي اخبرته الرسالة، ولكنه لم يجد شيئا، بحث كثيرا ولكن بدون جدوى، فعاد
ادراجه الى البيت مستغربا.
وفي اليوم التالي ذاع حراس الملك في السوق
الكبير وسمعه كل بيت في المدينة ان خاتم الملكة قد ضاع وعلى كل من يجده يتوجه الى
قصر الملك وله مكافأة مجزية.
مرت الايام ولم يأتي أحد، مما جعل الملكة
تستغرب من عدم قدوم الفقير ابو ياسمين الى القصر، وساورها الشكوك بالامر.
طلبت الحارس الذي ارسلت معه الرسالة وسألته
هل تأكدت من ان الرسالة وصلت الى ذلك الفقير؟ نعم يا سيدتي فانا متاكد من ذلك.
حسنا اذهب الى الغابة والى مكان الشجرة
وأتني بالخبر اليقين.
وبعد فترة أقبل الحارس وقال لم أجد شيئا يا
سيدتي. ولكنني رأيت ان الشجرة قد قطعت من أصلها ولم يبقى لها أثر.
لابد ان حطابا قد أتى الى ذلك المكان وقطع
الشجرة وعثر على الخاتم.
سالت الملكة الحارس بان يتعرف على الحطاب في
ذلك المكان من الغابة.
انتظر الحارس من الفجر وهناك أقبل الحطاب
وبيده الفأس وأخذ يحتطب.
نادى عليه الحارس وساله عن اسمه واين يعيش
فاخبره وتناولا الحديث معا وتركه واخبر الملكة بكل شيء.
ارسلت الملكة فرسان ثلاثة الى القرية التي
يسكن فيها الحطاب واخذوا يبحثون عنه.
وفعلا وصلوا الى بيته وطرقوا الباب.
خرج اليهم الحطاب ابو زينة وسارع الحراس الى
اقتياده الى القصر امام الملكة
بعد تفتيش البيت وعثورهم على الخاتم.
اما ابو ياسمين فقد خاف كثيرا بعد الحادثة
فهو رجل بسيط وفقير ولا دخل له في هذه الامور فقرر ان يغادر القرية الى قرية بعيدة
ويبتعد عن انظار الجميع، حتى عندما ارسلت الملكة احد حراسها الى بيته ليعرف ماذا
جرى لم يجد احدا هناك وحتى اهل القرية لم يعرفوا عنه شيئا.
ومرت الايام ثقيلة على ابو زينة وهو في
السجن وهاهو الان قلق كثيرا على ابته وزوجته حيث ان أخاه قد سافر منذ فترة قبل ان
حبسه وهو لا يعرف عنه شيئا.
وبينما الملك جالس في يوم مقابلة الناس اذ دخلت
بنت جميلة وكان سالم حاضرا حينها.
سيدي الملك ارجو عطفك وصفحك عن ابي الحطاب
الفقير فقد عرفت انك ملك عادل ورحيم بما أشيع عنك في المدينة والقرى المجاورة لها.
لقد جاء الى قريتنا ثلاثة فرسان واقتادوا ابي الى القصر ولا نعلم من امره شيئا.
أستغرب الملك وسأل الوزير ولكن الوزير لم
يعرف شيئا فقد كان الامر طي الكتمان بين الملكة وسالم وحراسها.
نظر الملك الى سالم الذي كان يجلس بجنبه فرى
على محياه القلق وسأله: هل تعرف شيئا عن الحطاب وابنته؟
حكى سالم كل شيء عن امر الخاتم. فأمر الملك
بطلاق سراح الحطاب ولكن الامر لم ينته بعد فقد وقع حب زينة في قلب سالم من اول نظرة
رآها وازداد في اعجابها لجرأتها وعذب كلامها وأخبر امه بالامر.
أستقبل أهل القرية الحطاب بالزغاريد والورود
وحملوه الى داره حيث كانوا يعتنون بزوجته وابنته طوال فترة غيابه وهذا من جراء
حبهم الشديد له.
وبعد أيام اقبل الحراس الثلاثة الى القرية
مرة أخرى وهو يراهم من بعيد، عندها خاف ابو زينة وقرر الهروب هو واهله.
هرب الحطاب هو وابنته وزوجته من القرية التي
احبها وقضى حياته فيها، ونظر اليها نظرة محب والدموع تهطل من عينيه، فاسرعت ابته
وقال: لا تحزن يا ابي فان الله لا يضيعنا.
وماهي الا ساعات من مغادرته القرية حتى رأى
جمعا غفيرا في الغابة ولما رأوه احاطوا به وكان الظلام قد خيم حينها.
آه انهم اهل القرية الطيبة، احتظنوه مرة
أخرى وسألوه عن فعله؟
أخبرهم عن رؤيته للفرسان يقتربون من القرية
فخاف وهرب.
صاح أحدهم بالمتجمعين تنحوا جانبا، واذا
بالفرسان معهم.
ارتجف ابو زينة وحضن ابنته وزوجته.
لا تخف واقبلوا اليه واحملوه هو وابته
وزوجته الى القصر.
وبعد أيام اعلن زواج سالم من زينة وعاشت في
القصر كأميرة ورجع ابو زينة الى القرية واقبل الى محله الذي تركه منذ زمن.

