![]() |
| الايادي الخفية |
الايادي الخفية
سرى، ابنة الرابعة، الطفلة المدللة الجميلة
التي لا يبرح كل من التقاها ان يحملها بكلتا يديه فرحا مبتهجا لابتسامتها الجذابة
التي تحمل معها براءة الطفولة.
كانت في بعض الاحيان تسبب الازعاج لامها
وابيها وذلك لعبثها بكل شيء في البيت، من التلفاز الى نقطة الكهرباء، اجهزة المنزل
وهكذا فترى امها مشغولة بها طوال الوقت تراقبها وتحمل على يديها اللتان تعبثان بكل
شيء في البيت، فما ان تضع الام اي حاجة على الاريكة او على الكرسي لدقائق حتى
تسارع سرى لالتقاطها واللعب بها ووضعها في فمها ورميها لمرات عديدة حتى تنتبه الام
فتأخذها منها وفي اغلب الاحيان تكون قد كسرت هذه الحاجة.
كان الاب دائم التنبيه لزوجته لمراقبة
ابنتهما سرى لألى يصيبها مكروه او يمسها أذى فهو يخاف عليها جدا ويتصل اكثر من مرة
وهو بالعمل ليسال عنها ويتأكد من انها بخير.
وذات يوم، بينما الاب منهمك في عمله مرت
بخاطره سرى، وكانت دائما ما تمر عليه في خياله أثناء عمله، فقرر الاتصال بزوجته
ليطمأن عليها.
الهاتف يرن على ام سرى ولا أحد يجيب، مرة
تلو الاخرى وهو يعاود الاتصال ولكن بدون جدوى. قرر الذهاب الى البيت ليطمئن على
حالهم.
وصل الى البيت بعد صراع مع الطريق، سرعة
جنونية وعقل شارد وفكر قلق، حتى انه لم يلاحظ الاشارة الضوئية ولعله قد تجاوز
السرعة، لم يهتم بكل هذا فاهو الان امام منزله الذي يقع على اطراف المدينة، بيت
صغير بسيط يعيش فيه هو وزوجته ابنته، حديقة المنزل صغيرة جدا تكفي لكي يجلسوا
ويستمتعوا فيها بعض الوقت. تحيط بالحديقة زهور زرعتها ام سرى واعتنت بها وطالما
يسقيها قبل ان يغادر منزله الى العمل.
وما ان وصل الى البيت شاهدته الجارة ام محمد
وقالت له لما رأت في وجهه القلق والاعياء، لا تقلق يا أبا سرى فقد اتصلت الان بام
سرى وطمأنتني عن حالة سرى وقالت انها بخير الان وهم الان في الطريق الى البيت. كاد
ان يفقد وعيه وهو يسمع الى جارته ملهوفا وامسك ذراعيها وقال أخبريني ماذا حصل
لابنتي؟
قلت لك انها الان بخير فقد دخلت في اذنها
كرة صغيرة كانت تلهو بها، عند ذلك وقفت سيارة الجار ابو محمد وخرجت ام سرى وسرى من
السيارة وهما يبتسمان وما رأى ابو سرى هذا المنظر حتى ارتاح واطمأن قلبه واخذ
ابنته بكلتا يديه يقبلها ونسي ان يشكر جاره ابو محمد لمساعدته الى ان نظر الى ام
سرى فرى علامات الغضب تبدوا في محياها، فعلم انه قد أخطأ وذهب الى الجار وشكره على
صنيعه.
بعد هذه الحادثة، اصبحت الام تراقب سرى على
طول اليوم ولا تبرح عن عينيها.
عندما اصبح عمر سرى خمسة سنوات، كانت كثيرة
الاسئلة وتسال عن كل شيء يصادفها وهو ما يدل على انها دقيقة الملاحظة. فهي تارة
تسال عن اشياء موجودة في البيت مثلا كان هناك حب يُملأ بالماء ليشربوا منه وهو
موجود الى الان في بعض البيوت.
![]() |
| شكل الحب الذي يملأ بالماء ليشرب منه الناس |
أبي ماهذا الشيء الذي نشرب منه الماء؟
انه الحب يا سرى، وهو جرة كبيرة من الفخار
يوضع فيها الماء.
ومن يملأ الحب بالماء؟
أنها يد الملاك يا سرى.
ولماذا لا نرى الملاك يا ابي؟
انه ياتي باكرا ودائما ياتي متخفيا ويقوم
باعماله ويغادر قبل ان نصحو.
وماهي الاعمال الاخرى التي يقوم بها هذا
الملاك يا ابي؟
انه يقوم بكل شيء، فمثلا تلاحظين ان سلات
المهملات نظيفة في الصباح الباكر ولكنها كانت مملوءة بالامس، وكذلك الصحون التي
كانت تملأ المطبخ ليلا ترينها نظيفة مرتبة صباحا.
يمكنكي ان تلاحظي من اليوم فصاعدا كل
الاشياء ليلا وتتفقديها صباحا لتتأكدي من ذلك يا ابنتي.
حسنا يا أبي، ولكن حديقة المنزل من يعتني
بها؟ هل هو الملاك نفسه؟
يضحك الاب، الا تكفين عن الاسئلة يا سرى؟
لقد اتعبتني اسئلتكي.
حلمي ان ارى ذلك الملاك، فقد احببته كثيرا
لكثرة ما تحدثني عنه.
سترينه يا ابنتي.
حقا يا ابي؟
ومتى؟
لا تكوني عجولة سوف ترينه باذن الله
وتعرفينه.
ومرت الايام وبقي الحال على ماهو عليه،
اسئلة ليل نهار واجابات من نسج خيال ابو سرى وامها.
عندما يأتي وقت النوم تستلقي سرى على سريرها
النظيف الذي أعدته ايادي الملاك، كما قال والديها لها، تفكر دوما وتطلق ذهنها الى
بعيد لتتخيل ذلك الملاك الذي جعل حياتها مع والديها على اتم وجه واجمل عيشة.
ياترى ما شكله؟ هل هو طويل؟ هل يشبه ابي ام
يشبه أمي؟
أتراه يحب الاطفال؟
ان والدي لا يتكلم عن اوصاف هذا الملاك،
لماذا يا ترى؟
لقد قال لي ابي سترينه وستعرفينه يوما ما.
لكن ما شكله وما هي طبيعته، وهكذا تأتيها
الافكار قبل ان تنام كل يوم، لذا قررت ان تتأكد من ذلك بنفسها.
ذهبت قبل ان تنام الى الحب الذي يملأ بالماء
ليشربوا منه، فوجدته فارغا، ونظرت الى سلات القمامة فوجدتها مملؤءة، ولاحظت غبارا
واتربة على الاثاث، والاواني غير نظيفة ومتروكة على المغسلة في الطبخ. سجلت كل هذه
الملاحظات في عقلها وخلدت الى النوم منتظرة الصباح.
اعتادت ان تستيقظ على عبارة امها يوميا، هل
نمت جيدا يا سرى؟
هرعت سرى من غير ان ترد على امها الى
الاشياء التي لاحظتها في الليلة السابقة، مما اثار استغراب الام عن هذا التصرف
الغريب.
ياترى ما بها اليوم؟ هل رأت كابوسا في
الحلم؟
لا انها عادة لا ترى كوابيس، هزت رأسها
وقررت ان تتبعها بسرعة، فوجدت ابنتها واقفة قرب الحب وهو مملؤء بالماء، ومن ثم
ذهبت تتفحص سلات القمامة وهي نظيفة وفارغة تماما، وبعدها تلمست الاثاث بيديها
الناعمتين، لا وجود للغبار، ثم ادارت رأسها نحو المطبخ لتتاكد من الصحون، آه انها
مرتبة ونظيفة.
كانت دهشة الام كبيرة وسالتها عن تصرفاتها
الغريبة في هذا اليوم. لم تعرف الام شيئا عما دار بين سرى وابيها بشان الملاك.
اٌريد ان اتاكد من وجود الملاك يا أمي،
هنا دخل الاب وقال لن تري ذلك يا سرى، لقد
اخبرتك سابقا عن ذلك، ولكنكي ترين افعاله واعماله وتحسين بوجوده معنا.
استغربت الام والقت نظراتها الغريبة
الى ابي سرى وقالت:
منذ متى وانت تعرف هذا الملاك يا ابا سرى؟
منذ فترة طويلة، وابتسم ابتسامة جعلت الام
تبتسم ايضا وهي تنظر الى سرى وتقول: هيا بنا الى مائدة الافطار فقد هيأت لكم
الطعام.
لماذا لم يساعدك الملاك يا امي في اعداد
الطعام؟
لا حاجة في ذلك، فانا احب اعمالي التي اقوم
بها.
ومرت الايام، وكبرت سرى ودخلت المدرسة، وكما
هو الحال فهي ايام معاناة للعائلة، سرى لم تتعود على الخروج ويجب عليها الان ان
تخرج كل يوم صباحا الى الظهر. وكانت امها من يهيأ لها اللوازم كلها، من لبس وأكل
وشرب والجنطة وهكذا كل يوم.
أحبت سرى المدرسة كثيرا، أحبت فيها مدرسة
الرياضيات والرسم، وكانت مدرسة الرياضيات تحب سرى كثيرا، فهي تتلقى المعلومة
وتتفهمها بسرعة فائقة وسرعان ما تبدأ بحل المسائل الموجودة في الكتاب.
أما مدرسة الرسم، فاخذتها الدهشة من الافكار
التي تحملها سرى، فهي تمتلك خيالا واسعا وترسم كل ما يدور في خاطرها.
وذات يوم وفي بداية درس الرسم، طلبت المدرسة
من الطلاب ان يرسموا شيئا مميزا موجودا في حياتهم، ولم تعين شيئا محددا. أغلب
الطلاب لم يفهموا مراد المدرسة ولكن سرى فهمت.
سارع الطلاب لاكمال الرسم، فاحدهم رسم بيتا،
والاخر طيرا وهكذا وكلها لا توحي بمراد المدرسة، ولكن سرى رسمت بفكرها الواسع
أيادي بيضاء منتشرة في كل ارجاء البيت، فمثلا رسمت الايادي تملأ الماء وأخرى تنظف
وأخرى ترتب في لوحة بسيطة ولكنها ذات عمق ومغزىً كبير.
انبهرت المدرسة وطلبت من التلاميذ ان يصفقوا
لسرى، فرحت سرى كثيرا في ذلك اليوم واعتبرته من اجمل ايام السنة خاصة عندما شاركت
بلوحتها البسيطة هذه في معرض اعتادت المدرسة ان تقيمه كل سنة مرة، حيث يشارك فيه
كل من له باع في الرسم، وكان الفوز من نصيبها فقد وقع اختيار لجنة التحكيم على
لوحتها التي أسمتها الايادي الخفية.
طلبت لجنة التحكيم ان تتكلم سرى وتشرح
لوحتها، حيث كان كل مشارك يقف بجانب لوحته التي شارك بها.
سألوها لمن تعود هذه الايادي البيضاء
الخفية؟
قالت هي للملاك.
تفاجأ الجميع عن اجابتها، وأكملوا: أي ملاك
تعنين؟
يوجد ملاك في بيتنا هو من يعمل كل هذه
الاعمال التي تشاهدونها في اللوحة، وانا جعلت اياديه بيضاء لانني لم اره في حياتي.
كانت اجابتها بثقة كبيرة مما حيرت اللجنة اكثر وطلبوا ان توضح لهم فكرة الملاك
هذه.
معلمة الرسم كانت تبتسم من بعيد وتنصت للنقاش
وآثرت ان لا تتدخل ولكن في لحظة ما قررت ان تذهب اليهم وتكشف الامر، فهي معلمة
خبيرة بفن الرسم والافكار التي ترافقه.
قالت لهم انا أشرح لكم ولها.
هذه الايادي الخفية التي ترونها هي أيادي
الام، حيث تعمل في الخفاء فهي التي ترتب البيت وتنظفه وتغسل الصحون وتملأ الماء
وتعمل كل اعمال البيت بدون ان يشعر بها أحد.
تفاجأت سرى بما قالته معلمتها ولم تعلق ولكن
بدى على وجهها الذهول واخذت تتساءل مع نفسها: هل الملاك الذي حدثني عنه ابي هي
امي؟
اذن لا يوجد ملاك، الملاك هي أمي.
واخذت الجائزة في ذلك اليوم الرائع والجميل وانطلقت
نحو البيت مسرعة.
وما ان وصلت الى البيت أخذت بطرق الباب بقوة
ولعدة مرات مما اربك الام التي هرعت الى الباب وتقول من من من الطارق!
قالت سرى انا ايتها الملاك.
تعجبت الام وفتحت الباب واذا بسرى وبوجهها
المشرق وابتسامتها التي ملأت وجهها تحتضن الام ودموعها تتساقط من فرحها.
انظري يا ملاكي لقد فزت بالجائزة وانها لكي
يا أمي.
فرحت الام كثيرا واخذت تحضن سرى وتقول لها
ابنتي الحبيبة، سرى.
كيف غاب عني انكي انتي الملاك يا امي،
ولماذا لم تخبرينني بذلك؟
الشيء الذي تتعلميه بنفسك هو اجمل واحلى من
الشيء الذي يعلمه لك غيرك.
صدقت يا أمي.
من الان فصاعدا سوف اساعد الملاك في عمله،
وهكذا قررت سرى ان تساعد امها في امور البيت واتفقا على ان تعمل هذا بعد الانتهاء
من الواجبات المدرسية.

