![]() |
هبة الله
ظل طوال الليل مستلقيا على سريره الخشبي
قلقا على مولوده الجديد الذي سيأتي باذن الله وسيحل ضيفا على هذه الدنيا وهو لا
يملك عملا يتقوت به منذ تخرجه من الجامعة، الى ان أيقضته ساعة المنبه وهي ترن فقام
من فوره ليؤدي صلاة الفجر.
كانت صلاته شبه خاليه فهو سارح البال يغلبه
النوم وبالكاد يستطيع فتح عينيه، ياترى كيف حال ام محمد الان لقد تركها هناك مع
اختها في المستشفى وبقي يرعى والده المريض.
وما ان اكملت صلاتي حتى سمعت سعال ابي، آه
لقد استيقظ ابي. احضرت كوب الماء وحبة الدواء التي اعتاد ان يشربها بعد استيقاضه
فجرا.
خذ يا أبي حبة الدواء وسأناولك الماء هنيئا
مريئا.
بوركت ياولدي فمنذ ان تركتنا امك ورحلت عن
هذه الدنيا وانت تقوم برعايتي ومداراتي.
لا تقل هذا يا ابي فانت من له الفضل بعد
الله، فماهذا الشيب في رأسك الا حصيلة سنوات قضيتها لاجلي ولا استطيع ان اوفيك حقك
ما عملت.
يا لك من ابن بار يا أمجد.
قل لي يا ابي هل تذكر يوم ولادتي؟
ضحك الاب و اعتلته كحة افسدت ضحكته.
كان ذلك يوم الجمعة حيث كانت امك على وشك
ولادتك وكنت في حالة من الشرود الذهني انتابتني قبل ايام.
كيف حصل هذا يا ابي؟
اذكر حينها كنت قد طردت من العمل قبل
الحادثة بايام بسبب مشادة جرت بيني وبين مسؤولي، حيث انكر علي بعض الاعمال واتهمني
بالاهمال وبادرني بالصراخ والتوبيخ.
كما عرفتني يا امجد، فانا امتاز بالهدوء وهو
ما دفع المسؤول للتمادي في التوبيخ، الى ان افقدني اعصابي وبدءت اصرخ عليه واتكلم
كلاما لا اعرف من اين جاءني فقد كدت افقد وعيي حينها.
على كل حال طردت من العمل واصبح وضعي صعبا
فانا اعيش برزق يومي.
انتظرتك طويلا يا امجد في باحة المستشفى،
حينها فاجأتني احدى الممرضات بقولها: سيدي تفضل هنا لقد رزقت بمولود. مبارك لكم.
اسرعت نحوك اتأمل وجهك وانت تبكي وتصرخ وكان
صرخاتك صرخاتي بوجه ذاك المسؤول. أحببتك حبا شديدا فقد بدأت رحلة حياتي من جديد
معك.
وما ان أتيت الى الدنيا، اتى معك كل الخير
والبركة والرزق الوفير.
اسعدتني يا ابي بهذا القول.
ومرت ساعات الصباح مع وجبة الافطار وترتيب
بعض الاشياء الى ان عادت زوجتي هي واختي من المستشفى قبل الظهر بقليل.
كيف حالكي الآن وكيف حال الجنين؟
الحمد لله لقد طمأئننا الطبيب عن حالة
الجنين واخبرني بانني ساكون بخير بعد ايام من اخذ العلاج. ادعو لي يا امجد.
بالتأكيد فانتي في دعائي كل يوم.
بارك الله فيك.
خرجت الى السوق لشراء بعض الحاجيات البيتية،
وبينما انا منهمك في الشراء ناداني صاحب البقالة وكان صديقي، يا امجد
التفت اليه وهو يشير بيديه الي ان اقبل.
ذهبت بخطوات قصيرة فمنظره لا يوحي بخير.
تداركني بقوله هل سمعت عن الحاج رؤوف؟
الحاج رؤوف! مابه هل حدث شيئ أخبرني بالله
عليك.
وما ان رأيت الدموع في عينيه علمت ان شيئا
ما حدث للحاج.
اسرعت مهرولا الى الجانب الشرقي من السوق
حيث يسكن الحاج رؤوف، فاذا بي انظر الى الناس مجتمعين في داره الصغير حينها ادركت
ان امرا جلل قد حدث للحاج.
لقد توفي الحاج يا امجد قبل قليل حيث دهسته
سيارة اثناء محاولته عبور الشارع، قال لي احدهم
رحمك الله يا حاج رؤوف لقد كنت سندي في هذه
الحياة. يالله ماهذه الاخبار السيئة، تذكرته حين قال لي الدنيا فانية وليست بدار
بقاء، سوف نغادرها ونسال الله حسن الختام، استغفرت الله سريعا وذهبنا الى المقبرة
لدفن الحاج ودعونا له بالمغفرة والرحمة.
سرحت بافكاري بعيدا، أناس تأتي الى الدنيا
وآخرين يذهبون وما ان وصلت البيت حتى تلقتني زوجتي، الم تحضر ما ارسلناك لاجله؟
مالي اراك فارغ اليدين لا تحمل شيئا، ماذا جرى لك؟ ولماذا تأخرت؟
تذكرت اني لم احضر شيئا، يا الهي لقد نسيت،
ماهذا الشرود يا امجد، صاح بي والدي وكان مقعدا.
تأسفت من الجميع وعدت ادراجي الى السوق.
كان يوما صعبا علي، فانا قبل أيام لم اوفق
في مقابلة العمل التي اجريت معي واليوم غادرنا الحاج رؤوف، الحاج الطيب، وقلقي على
ابني الذي لم يولد بعد وعلى امه المريضة.
وبعد ايام، فؤجئنا بطرقات على بابنا، اسرعت
وفتحت الباب، فاذا بصاحب الدار يبلغنا انه قد تم عرض البيت للبيع ويجب ان يخرجوا
خلال هذا الشهر.
كانت صدمة قوية لنا ولم استطع اخبار والدي
بالامر.
يجب علي ان ابحث عن بيت آخر نسكن فيه.
وكثرت همومي يوما بعد يوم ولكن كلمات الحاج
رؤوق كان دائما ترن في أذني فكأنه امامي الان ويقول لي "ما دمت لم تعص الله
في أمرك وشؤون حياتك فلاداعي للقلق فان الله سيدبر امرك وانت في كنفه ورعايته.
ومرت الايام قاسية علي وعلى عائلتي الى ان
جاء المولد الجديد وقد اسميته أنس. لقد كان باهر الجمال. وقد دعوت الله ان يفرج
عني هذه الهموم كما فرجها على والدي عندما أتيت الى الدنيا، وانتابني شعور بالفرح
والغبطة لهذا الامر.
ولكن كلمات الحاج رؤوف لم تفارقني فلطالما
امتعنا بعباراته التي كان يستسقيها من اروع الكتب فهو رجل مثقف وحافظ لايات كثيرة
من القرآن الكريم. "ان مع العسر يسرا" كان كثير الترداد لها. وقد نقشت
في فكري هذه الاية فانا دائما اتذكرها وامتع نفسي بقراءتها فهي تبعث الامل في
وفيمن حولي.
حمدت الله على نعمته وشكرته على ألاه وفضله،
فقد رزقني طفلا وسالت الله ان تكون بداية حياة جديدة تزول فيها العقبات التي من
حولي.
تمنيت لو ان الحاج رؤوف على قيد الحياة،
ولكن سرعان ما استذكرت كلماته التي زرعها في "امجد لا تنس ان تتصدق اذا اسرك
الله بخبر" وفعلا ذهبت الى عائلة فقيرة كنت اعرفها وتصدقت عليهم وقد دعوا لي
الله كثيرا وانشرح صدري لدعائهم.
وبعد ايام، يسر الله لنا بيتا وسعا بالقرب
من السوق وذهبت مسرعا الى أبي لابشره بالخبر وفعلا فقد سر كثيرا.
مرت عدة أيام من انتقالنا الى البيت الجديد،
وفي مساء احدى الايام جلسنا في حديقة المنزل حيث كانت خضراء وبعض الورود زاهية
حولها نستمتع بنسمات هواء عذب ونشرب الشاي مغ بعض الكعك، كان ذلك في آواخر شهر
الخريف، اذ رن هاتفي برقم غريب.
اهلا بك يا امجد.
أهلا. عفوا من تكون؟
انا منذوب من الشركة التي كنت قد اجريت
مقابلة فيها قبل اشهر، انهم محتاجون الى اختصاصك وقد وفروا لك وظيفة هناك.
توالت البشارت منذ ان رزقت بأنس، قال لي والدي،
فما ان يمر يوم من الايام حتى تمر بشرى جديدة. يالله ما اسعدني بك يا انس فان وجهك
وقدومك قدم الخير وانفرجت عني المحن وتغيرت حيياتي الى الافضل بكثير.
صحيح انني قد فقدت الحاج رؤوف الذي كان سندي
ولكن الله عوضني بأنس فهو هبة الله لي في هذه الحياة.
